محمد هادي معرفة
23
التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء
كتابه تبيانا وهدى للعالمين ، وأنّ الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه ، ولا يجوز أن يكون في القرآن آية لا يعرف معناها ، لا النبيّ ولا سائر أمته ؛ لأنّه عبث ولغو ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . قال : « لا يجوز أن يكون اللّه أنزل كلاما لا معنى له ، ولا يجوز أن يكون الرسول وجميع الأمّة لا يعلمون معناه ، كما يقوله بعض المتأخّرين ؛ وهذا القول يجب القطع بأنّه خطأ ، فإنّ معنا الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنّة وأقوال السلف على أن جميع القرآن ممّا يمكن علمه وفهمه وتدبّره ، وهذا ممّا يجب القطع به ، فإنّ السلف قد قال كثير منهم : إنّهم يعلمون تأويله . هذا مجاهد - مع جلالة قدره - قد عرض القرآن على ابن عبّاس ، يسأله عن تفسير آية آية ، فكان يفسّرها له ، ويقول : أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله . وفي صحيح البخاري : أنّ ابن عبّاس كان من الراسخين الذين يعلمون تأويل القرآن » . وقال : « ولأنّ من العظيم أن يقال : إنّ اللّه أنزل على نبيّه كلاما لم يكن يفهم معناه لا هو ولا جبريل ، فإنّ المقصود بالكلام هو الإفهام ، فإذا لم يقصد به ذلك كان عبثا وباطلا ، واللّه تعالى قد نزّه نفسه عن فعل الباطل والعبث ، فكيف يتكلّم بالباطل والعبث ، وبكلام نزّله على خلقه لا يريد به إفهامهم ؟ ! » . وقال : « وهذا إجماع المسلمين على إمكان فهم القرآن كملا ، فما من آية في القرآن إلّا وقد تكلّم الصحابة والتابعون في معناها ، وبيّنوا مداليل فحواها » « 1 » . وهكذا نبهاء الأمّة وعلماؤها طوال عهد الإسلام ، نجدهم درسوا القرآن ، وبحثوا عن مداليل آياته ، وكشفوا النقاب عن وجه مبهماته ، وأزالوا الخفاء عن ملتبساته ، وأخذوا في التفسير والتأويل ، لا فرق بين محكمه ومتشابهه ؛ إذ لا متشابه لديهم بعد رسوخهم في العلم ووقوفهم على موارد التنزيل وحقائق التأويل ، ولم نجد طول هذا
--> ( 1 ) . راجع كلامه في تفسيره لسورة الإخلاص : 86 - 92 . ونقل كلامه صاحب تفسير المنار 3 : 175 - 196 .